الشيخ محمد رشيد رضا
194
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
المبلغ له والداعي اليه والمنفذ له بقوله وعمله ، ليكون لقومه فيه أسوة حسنة . وتلك سنة اللّه تعالى في سائر الانقلابات والتجديدات الاجتماعية والسياسية وان لم تكن بهداية الدين ، والدين أحوج إلى القوة والعزيمة لأنه اصلاح للظاهر والبطن جميعا ، وقد أمر اللّه تعالى بني إسرائيل بما أمر به رسولهم ( ص ) من أخذ الكتاب أو ميثاق الكتاب بقوة أمرا مقرونا بتهديدهم وتخويفهم من وقوع جبل الطور بهم ، كما تقدم في سورة البقرة ( 2 : 63 و 93 ) وسيأتي مثله في هذه السورة ( الأعراف ) وقد اخذ سلفنا القرآن بقوة فسادوا به جميع الأمم التي كان لها من القوى العددية والحربية والنظامية والمالية والصناعية ما ليس لهم ، وإنما سادوا بالعمل بهدايته كما أراد اللّه تعالى - لا بالتغني بقراءته في المحافل ، ولا بالتبرك المحض بالمصاحف ، كما يفعل مقلدة الخلف الصالح ، إن من يأخذ القرآن بقوة يكون القرآن حجة له فيسعد به في الدنيا والآخرة ، ومن لا يأخذه بقوة يكون حجة عليه فيشقى بالاعراض عنه وهجر هدايته في الدنيا والآخرة ( يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ * الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ ) ( ثانيها ) أن سبب تخويف بني إسرائيل عند تبليغهم الميثاق الإلهي بوقوع الجبل بهم وأمرهم في تلك الحال أن يأخذوه بقوة هي أن أحكام التوراة التي أخذ عليهم الميثاق بأخذها بقوة شاقة حرجة ، وحكمة ما فيها من الشدة والحرج أن القوم كانوا مستضعفين مستذلين باستعباد المصريين لهم منذ أجيال كثيرة وكان القوم أو الأقوام الذين وعدوا بأن يغلبوهم على بلادهم جبارين اولي قوة واولي بأس شديد ، وكان من سنة اللّه تعالى في البشر أن تتربى أفرادهم وشعوبهم بالشدة والارتياض بالصبر ، والجهاد بالمال والنفس ، ولهذا أمر اللّه تعالى موسى عليه السّلام أن يسير ببنى إسرائيل في طريق التيه وهو الجنوبي من برية سيناء دون الطريق الشمالي القريب من مدن فلسطين إذ لم يكن لهم طاقة بقتال جباري الكنعانيين وقتئذ فكتب اللّه تعالى عليهم التيه أربعين سنة ملك في أثنائها الذين استذلهم المصريون ونشأ من صغارهم ومواليدهم جيل جديد تربى في حجر الشرع الجديد ، والتيه الشديد ، كما بيناه في تفسير سورة